- الرئيسية »
- الجريدة »
- العدد 131 »
- ملفات ساخنة

دراسة: أميركا على مفترق طرق لمزيد من التصدع
تشهد أميركا العام الحالي معركةً انتخابية مهمة يمكن اعتبارها جولةً من جولات الصراع الأزلي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ففي خريف العام سيتوجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات «الكونغرس» وهي الانتخابات التي ستكشف الكثير عن تطلعات الناخبين لتفردها في أمورٍ كثيرة. فاستحقاق الـ2010 سيكون الأول منذ تولي الرئيس الأميركي باراك أوباما سدة الحكم .
وما رافق ذلك من ثورة مخملية على مبادئ اليمين المحافظ الذي حكم لثمانية أعوام بعد أن استفاد سيد البيت الأبيض من الوقفة الجماعية غير المسبوقة للحركات الليبرالية واليسارية إلى جانبه داخل الولايات المتحدة وفي معقلها في القارة الأوروبية حتى قيل إنه سيكتسح الانتخابات إن ترشح في ألمانيا أو بريطانيا. كما ستكون نتيجة الانتخابات دليل إرشاد لمعرفة توجهات الأميركيين إما نحو اليمين أو اليسار في استحقاق الرئاسة العام 2012. فيتدارك أوباما وفريقه الأمر إن فشلوا في الامتحان أمام الجمهوريين، وينظر هؤلاء بعمق إلى حالهم إن خسروا خاصةً مع امتلاك الديمقراطيين لناصية «الكونغرس» بعد انتخابات العام 2008. ومن هنا، كانت تجربة 2008 فريدةً من نوعها لأنها كشفت خسارة الحزب الجمهوري أوراقاً كثيرة وفقدانه لقواعده التقليدية لحساب المد اليساري الذي نجح في التكيف مع متغيرات المجتمع الأميركي واستغلال القضايا المستجدة المصيرية والبسيطة في آن التي تهم الفرد العادي.
دور البلدية
يقال في الولايات المتحدة إن أوباما نجح بـ«البروباغندا»، ولكن ليس أوباما وحده من استغل الدعاية لصالحه في كل الأحوال، كما أن اختزال انتصار 2008 غير المسبوق في هذا العامل فقط أمر يجافي الدقة. لقد كانت نتيجة الانتخابات مؤشراً واضحاً على تغير نوعية المفاتيح الانتخابية التي توصل إلى سدة الحكم عادةً واختلاف الأسلوب للوصول إلى تلك المفاتيح.
ففضلاً عن اتساع الفارق الإيديولوجي بين الحزبين، ازداد حجم الاصطفاف المناطقي فانكفأ الجمهوريون في ولايات الجنوب والسهول العظمى مقابل احتفاظ الديمقراطيين بالولايات الساحلية ذات التوجه الليبرالي شرقاً وغرباً وامتدادهم نحو مناطق نفوذ الجمهوريين مثل أريزونا وكولورادو ونيو مكسيكو وفرجينيا. عنى هذا أن الحزب الديمقراطي استطاع أن يصل إلى القواعد الشعبية وإلى المواطن الأميركي الذي إما كان متردداً أو مستنكفاً عن التصويت وذلك بفضل نزوله إلى الشارع واستخدامه خاصية «لقاءات دور البلدية» التي تنفرد بها الولايات المتحدة. وهي عبارة عن مناقشات غير رسمية بين مواطنين عاديين ومرشحٍ ما تبحث في المشاكل التي تهم أفراد المجتمع بأسلوبٍ بعيد عن التكلف. تمكن الديمقراطيون من إسماع صوتهم إلى الناخب الأميركي وسمعوا منه همومه ومشاكله عبر الـ«town hall» في ما فشل الجمهوريون الذين فضلوا الاعتماد كعادتهم على النخبة من أغنياء ورجال أعمال وشركات عملاقة بما تشكله من لوبيات تبدأ من الأسلحة وتمر بالعقاقير الطبية .
ولا تنتهي بالاستثمارات، في حين بات الديمقراطيون ممثلين للفقراء والمهمشين والأقليات، خاصةً إثر الأزمة المالية العالمية، وهي السمعة التي لطالما كافحوا للحصول عليها أملاً في كسب أصوات الملايين. وتنبه أوباما مجدداً إلى أهمية إستراتيجية «لقاءات دور البلدية» إبان النقاشات بشأن مشروع إصلاح التأمين الصحي مؤخراً فطفق يعبر البلاد ليقلب مرةً أخرى الكفة لصالحه بعد أن نجح المحافظون في فرملة مشروعه في البداية قبل أن يدفعوا ثمن تراخيهم في الكونغرس.
بيضة القبان
أما العامل الثاني الذي لعب وسيلعب دور بيضة القبان في انتخابات العام الجاري فهو الأميركيون من أصل لاتيني أو من يعرفون بـ«Hispanics» فوسط تجاهلٍ غريب من قبل الحزب الجمهوري لهذه الشريحة المهمة جداً في العملية الانتخابية، سرق اليسار الأميركي أصوات الـ«Hispanics» من منافسيهم مدركين قوة هذه الفئة العددية وتقاطرها إلى صناديق الاقتراع بأرقامٍ أكبر دوناً عن بقية مكونات المجتمع مثل البيض أو السود أو الآسيويين. وطبقاً للإحصائيات، قفز الأميركيون اللاتينيون من المرتبة الثالثة من حيث العدد بعد البيض والسود إلى الثانية متقدمين على العرقية التي يتحدر منها أوباما. وبحلول العام 2050، سترتفع نسبتهم من 15 في المئة حالياً إلى الضعف لتصل حاجز الـ30 في المئة. وعليه، لن يصبح الأميركيون البيض الأوروبيين أغلبيةً بعد ذلك التاريخ بسبب التدفق المستمر للمهاجرين من المكسيك وكوبا تحديداً، وهذا ما جعل تيار في الحزب الجمهوري يعمد إلى مهاجمة سياسات الهجرة المنفتحة التي يتبعها الديمقراطيون دون أن يحرك ساكناً لكسب أصوات اللاتينيين فوقع في الفخ ليبدو وكأنه حزب متطرف يعادي المهاجرين والـ«wetbacks» أو «أصحاب الظهور المبللة» كما يطلق على ذوي الأصول المكسيكية تندراً بسبب عبورهم خلسةً الأراضي الفاصلة بين البلدين سباحةً عبر نهر ريو غراند.
الأمن الوطني
لم يتمكن الحزب الديمقراطي في يومٍ من الأيام، وتحديداً منذ بدء الحرب العالمية الثانية، في دحض الاتهامات التي كان الحزب الجمهوري يكيلها إليه في جميع الحملات الانتخابية بأنه متراخٍ جداً في سياسات الأمن الوطني. نجح الجمهوريون في اكتساب سمعة «أقوياء العزم» الذين لا يساومون في قضايا الأمن الحساسة التي تخص وطنهم.
وحفلت الإدارات الجمهورية بمشاريع راوحت بين «حرب النجوم» إبان عهد الرئيس الراحل رونالد ريغان و«الدرع الصاروخية» خلال فترة الرئيس السابق جورج بوش.
تصدى الجمهوريون لحروب الخليج بنسخها الثلاث الإيرانية والكويتية والعراقية. وتولوا ملف الحرب على الإرهاب بعد هجمات 9/11 وما تلاها من حرب في أفغانستان. فاز الجمهوريون في انتخابات الرئاسة العام 2004 بعد أن نجح بوش في إثبات أن منافسه آنذاك جون كيري ليس قادرا على حماية الأميركيين.. فهذا ديدن الديمقراطيين. وظهر كيري ومرشحه لمنصب نائب الرئيس جون إدواردز متهالكين في المناظرات التلفزيونية حينما جيء بذكر عبارة الأمن الوطني أمام بوش ونائبه ديك تشيني. وفي 2008، لم يستطع الجمهوريون فعل الكثير أمام «تسونامي» أوباما وقلة حيلة نظيره جون ماكين. ولكن ومع الأخطاء التي تظهر ارتباكاً واضحاً حيال السبل المثلى للتعامل مع الملف الأمني التي ارتكبتها وترتكبها إدارة أوباما بعد عامٍ من توليها زمام الحكم، فإن الجمهوريون متهيئون لإنزال ضرباتهم في انتخابات «الكونغرس» في ما يخص تلك المسألة. فبينما كان أوباما يتناول المثلجات في هاواي أثناء إجازته السنوية، فشلت بما يشبه المعجزة محاولة لخطف طائرة أميركية كانت متجهة من العاصمة الهولندية أمستردام إلى مدينة ديترويت ما كشف عن تخبط أمني وفضائح متتالية من قبيل الخروقات التي حدثت من قبل أشخاص عاديين لمناطق أمنية داخل المطارات الأميركية في الآونة الأخيرة. ومن ثم، أتت معضلة إغلاق معتقل «غوانتانامو»، الذي يشكل اليمنيون نصف رواده تقريباً، لتزيد الطين بلةً بالنسبة لأوباما والليبراليين خاصةً ان اليمن بات قاعدةً مثيرة للشهية لـ«القاعدة» ومنطلقاً للكثير من عملياتها. ستكون الشهور العشرة الأولى من العام الجاري حبلى بالسجالات والتجاذبات في ما يشبه «موسم ترهات» آخر يشبه الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية .والتي تكثر فيها المزايدات والاتهامات وحملات الضرب تحت الحزام من قبل الطرفين. وهذا ما سيترك تأثيره الحتمي على السياسة الخارجية لواشنطن سواءً من جهة تعاملها مع ملفي إيران وكوريا الشمالية النوويين أو حتى عملية السلام في الشرق الأوسط، فتنحو نحو تشددٍ يرافقه تحركاتٍ هنا وهناك في ما يخص طهران وبيونغ يانغ على وجه التحديد. وتسعى إلى عقد صفقة من نوعٍ ما في مسألة السلام المنشود في المنطقة، لن يكون الطرف الإسرائيلي الخاسر فيها في نهاية المطاف.
وجوه من «الكونغرس» خلف الكواليس
هاري ريد: زعيم الأغلبية الديمقراطية في «الكونغرس» عن ولاية نيفادا. تعرض لانتقادات شديدة مؤخراً بسبب تعليقاته، التي اعتذر عنها، عن سيد البيت الأبيض باراك أوباما.
ووصف ريد أوباما بأنه «فاتح البشرة ولا يتكلم بلهجة الزنوج». كما ينتقد الليبراليون ريد بسبب دعمه للحرب في العراق وما يعتبرونه «تواطؤاً» من قبله مع الحزب الجمهوري في هذا الصدد. وكان المحامي السبعيني محط انتقادات أخرى بسبب دعمه لمشروع بناء جسر يربط ولايته نيفادا بولاية أريزونا الأمر الذي سيرفع من قيمة أراضٍ تعود إلى ملكيته الخاصة.
داريل عيسى: عضو جمهوري في «الكونغرس» عن ولاية كاليفورنيا والأغنى بين أعضائه بثروة تقدر ب250 مليون دولار. تعود أصول عيسى، كما يتبين من كنيته، إلى لبنان. خدم في الجيش الأميركي لنحو عقدٍ من الزمن، الأمر الذي ترك تأثيره على عقيدته السياسية حيث صوت لصالح حربي أفغانستان والعراق.استطاع توظيف أصوله فانخرط في زياراتٍ مكوكية إلى بلدان الشرق الأوسط آملاً في التوسط بين الأطراف المتنازعة، في حين يتهم داخل الولايات المتحدة بأنه من مؤيدي «حزب الله» رغم أنه مسيحي أرثوذكسي.
جين هارمان: ثاني أغنى عضو في «الكونغرس» بثروة تقدر ب160 مليون دولار. امرأة مصنفة تحت خانة «الكلاب الزرق» لمواقفها المناهضة للإجهاض وحظر حمل السلاح والمؤيدة لحرب العراق. متزوجة من سيدني هارمان صاحب شركة «هارمان للالكترونيات» ذائعة الصيت. عرفت بمشاكلها المتعددة مع الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة والتي أفضت إلى العديد من التحقيقات. ولكن الموقف الذي أثار حفيظة زملائها في الحزب الديمقراطي كان دعمها لسياسة التصنت التي اتبعتها الإدارة الجمهورية السابقة تجاه المشتبه فيهم بقضايا الإرهاب.
باركر غريفث: عضو في «الكونغرس» عن ولاية آلاباما. كان من المحسوبين على «الكلاب الزرق» في الحزب الديمقراطي قبل أن ينسحب من الحزب ويتحول إلى خصمه الجمهوري أواخر شهر ديسمبر الماضي. وكان السبب الرئيس لتحول غريفث مشروع إصلاح الرعاية الصحية الذي دعا إليه أوباما. يعتبر أيضاً من المعارضين لإلغاء خطط نشر الدرع الصاروخية في أوروبا وكان محط أنظار الجمهوريين منذ أن طفت انتقاداته إلى الديمقراطيين إلى العلن. ورغم ذلك، لم يغير غريفث جلده تماماً إذ سرعان ما هاجمه رموز حزبه الجديد بسبب تبرعه لحملة هاري ريد الساعية إلى إعادة انتخابه.






الكاريكاتير
استطلاع
الارشيف



اقرأ أيضاً













