
إقامة المجالس الحسينية ضرورة تاريخية
أجل، فالإمامُ الحسينُ (عليه السلام) قتيلُ العبرة، ففي البكاء عليه راحةُ الضمائر، ونوعُ مواساة، وإحياءُ أمرٍ من أمور أهل البيت (عليهم السلام) والحزن حالةٌ إنسانيةٌ نبيلة، تنتابُ أهلَ الشعور والعاطفية في كلِّ واقعةٍ أليمة، والمؤمنُ المحبُّ لأهل بيت الرسالة يجد لوعةَ المصاب في قلبِه لا تزول، لما عَرَف من اجتماعِ الكوارث علی سيّد شباب أهل الجنّة في كربلاء، وملاقاتِه للفجائع بصدرٍ رحيب، وصبرٍ عجيب، ذُهلت له ملائكةُ السماء. فإذا اجتمعت المودّة والحزن في قلب ذلك المؤمن، كان من الطبيعيّ أن يكون ذكرُ قضيّة الحسين (عليه السلام) مُستدرّاً لدموعه، مثيراً لعواطفه وأحاسيسه الإنسانية الشريفة تجاهَ وليّ الله الشهيدِ المظلوم، ومن هنا تتأكد الصلة بين ذكر الحسين والبكاء عليه، ومن هنا أيضاً عُرف سيّدُ الشهداء (سلامُ الله عليه) بما قال: (أنا قتيلُ العَبرة)، وبما فدّاه حفيدُه الإمام جعفرُ الصادقُ (عليه السلام) بقوله زائراً إيّاه: بأبي قَتيلَ العبرة.
إنّ إقامة المجالس التأبينيّة علی الفقيد، هو نوعٌ من التكريم والإجلال له، ومناسبةٌ داعيةٌ إلی ذكره ذكراً جميلاً، وربّما تهيأت في المجالس حالاتٌ عاطفيّةٌ نبيلة، يعبّرِ أصحابُها من خلالها عن محبّتهم واعتزازهم ووفائِهم لذلك الفقيد العزيز وذلك أمرٌ طبيعيّ في خلقِه النفس الإنسانيّة، جُبلت عليه، وارتاحت إليه.
والمجالس الحسينيّة التأبينيّة هي من هذا النوع، لكنّها أسمی وأقدس، لأنّ الفقيد فيها هو سبطُ رسول الله وريحانته، وسيّدُ شباب أهل الجنّة، ومهجةُ قلب أمير المؤمنين، وفلذّةُ كبِدِ الصدّيقةِ فاطمةَ الزهراء سيّدةِ نساء العالمين، صلواتُ الله عليهم أجمعين. لذا تكونُ هذه المجالسُ أوقر َشأناً وأشدَّ حزناً، وأعمقَ صدقاً، وأعلی ولاءً ومودّة، وأدومَ وأوصَل، فقد بدأت في أعماق الزمن وامتدّت، وذلك شأنٌ قضاه الله تعالی بحكمته، حيث تواردت بعضُ الأخبار أنّ الله جلّ وعلا لمّا قدّر ما قدّره بإرادته الحكيمة، ومشيئته الرحيمة، أن تكون للحسين شهادةٌ قدسيّة في كربلاء وقد تواترت صحاح الأحاديث الشريفة المروية في كتب الفريقين التي تصرح بهذا المعنی، والملاحظ فيها اهتمام النبي الأكرم (صلی الله عليه وآله) بأخبار المسلمين بالمصاب الحسيني قبل وقوعه بزمنٍ طويل.
ما هو السر بهذا الاهتمام النبوي؟ الإجابة عن هذا السؤال نتلمسها في حديث سماحة الشيخ علي حسن غلوم من الكويت: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله الطيبين الطاهرين. لعل ذكر النبي الاكرم لهذا الحدث وبشكل متكرر ناشئ من ان النبي اراد ان يبين اهمية هذا الحدث الذي ستستقبله الامة الاسلامية في قادم ايامها يعني بالنسبة للزمن الذي كان يعيشه النبي (صلى الله عليه وآله)، يعني هذا الحدث ليس حدثاً عادياً، ثورة الامام الحسين عليه السلام تعتبر منعطفاً مهماً في تاريخ الامة الاسلامية فاذا سألنا هذا السؤال ماذا لو ان الامام الحسين (عليه السلام) لم يثر في ذلك اليوم؟ ماذا لو لم يستشهد الامام الحسين (عليه السلام)؟ حقيقة اعجبني كتاب الفه احد الاصدقاء في هذا الخصوص اراد من خلاله ان يعرض ثورة الحسين (عليه السلام) بصورة معكوسة، وضع عنوان الكتاب "ماذا لو بايع الحسين" يعني ماذا لو بايع الامام الحسين يزيداً، بالتالي لو اردنا ان نعرف قيمة واهمية هذه الثورة علينا ان نتساءل ماذا لو لم تقع؟ كيف كانت حالة الامة الاسلامية في ذلك الزمن والى اين كانت ستسير في مسيرتها بعد حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ بكل وضوح اي واحد منصف يستطيع ان يدرك ان الامور في تلك الفترة قد وصلت الى مرحلة خطيرة جداً في بقاء الاسلام، الاسلام بالصورة التي بلغها النبي (صلى الله عليه وآله)، بنو امية استطاعوا في عقدين من الزمن، قرابة عشرين سنة من الحكم استطاعوا ان يمسكوا الهوية الاسلامية، ان يمسكوا الشخصية الاسلامية، ان يصادروا قيم الاسلام ووعي الناس، ارادة الناس والاسوء من ذلك ان كل هذا تم من خلال القدرة والقوة التي اخذوها من الاسلام يعني السيف الذي سلحهم به النبي (صلى الله عليه وآله)، سلح المسلمين به لقتال اعداء الاسلام واعداء المسلمين تحول الى سيف الشرعية لقتل حملة الاسلام وحفظة الاسلام واولياء الاسلام والذين يتمثلون في الامام الحسين (عليه السلام)، يتمثلون في انصار الامام الحسين (عليه السلام) الذين جاهدوا في هذا الطريق. الامام الحسين في الخطبة الثانية في يوم عاشوراء امام جمهور جيش ابن سعد يقول وبكل صراحة: «سللتم علينا سيفاً لنا بأيمانكم وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدونا وعدوكم فأصبحتم الداً لأعدائكم على اوليائكم بغير عدل افشوه فيكم ولا امل اصبح لكم فيه» واضح الإمام (عليه السلام) عندما يقول سيفاً لنا لا يتحدث عن حالة ارثية محضة وانما يتحدث عن حالة رسالية ومسؤولية تحملها هو وتحملها المخلصون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما تمثله الامامة وفيما تمثله الاستمرارية في خط رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حقيقة ودور في المجتمع.
طيب اذا كانت القضية بهذه الصورة أليس مبرراً ان النبي (صلى الله عليه وآله) ان يذكر استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) ويذكر ما سيصيب الإمام الحسين في اكثر من مرة؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحدثنا صحاح الروايات الشريفة المروية من طرق الفريقين عن شدة بكاء النبي الأكرم (صلی الله عليه وآله) علی سبطه الحسين قبل استشهاده (عليه السلام) مقيماً بذلك مجالس العزاء الحسيني ولنا فيه (صلی الله عليه وآله) أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
فمن هذه الروايات المروية في كتاب كبار حفاظ أهل السنة ننقل لكم ما أخرجه البيهقيُّ في (السُّنن الكبری)، والخوارزميُّ الحنفيُّ في (مقتل الحسين)، والمحبُّ الطبريُّ الشافعيّ في (ذخائر العُقبی) عن أسماء بنتِ عُميس قالت: لمّا وُلدِ الحسين جاءَني النبيُّ (صلیّ الله عليه وآله) فقال: يا أسماءُ هاتي ابني فدفعتُه إليه في خرقةٍ بيضاء، فأذّن في أُذُنِه اليُمنی وأقام في اليسری، ثمّ وضعهَ في حِجرِه وبكی! قالت أسماء: فقلتُ: فداك أبي وأمّي، ممَّ بُكاؤُك؟!
قال: علی ابني هذا. قلت: إنّه ولد الساعة! قال: يا أسماء، تقتلُه الفئةُ الباغية، لا أنالَهُم اللهُ شفاعتي. ثمّ قال: يا أسماء، لا تُخبري فاطمةَ بهذا، فإنّها قريبةُ عهدٍ بولادتِه.
سمّی الشيخُ الأميني هذه الرواية برواية (مأتم الميلاد) وقال: لعلّ هذا أوّل تأبينٍ أُقيم للحسينِ الطُّهر الشهيد في الإسلام المقدَّس بدر من رسولِ الله (صلیّ الله عليه وآله)، ولم تسمع أُذُنُ الدنيا قبلَ هذا أن ينعقدَ لمولودٍ غيرِ وليد الزهراء الصدّيقة في بسيط الأرض مأتمٌ حينَ وَلَدته أُمُّه بدلاً من احتفال السرور والحبور والتباشير.
النتيجة المحورية التي نصل إليها في أولی حلقات برنامج تأريخ المجالس الحسينيّة أن النبي الأكرم (صلی الله عليه وآله) اهتم بحث المسلمين علی إقامة هذه المجالس والبكاء علی سبطه سيد الشهداء (عليه السلام) وأقام هو (صلی الله عليه وآله) بنفسه نماذج لهذه المجالس قبل استشهاد سبطه الحسين (عليه السلام. وبذلك دعا (صلی الله عليه وآله) المسلمين الی التأسي به في إقامة هذه المجالس القدسية التي ثبت رجوع تأريخها الی العصر النبوي.






الكاريكاتير
استطلاع
الارشيف



اقرأ أيضاً













