السياسة الأميركية الجديدة .. قفاز مخملي في نفس اليد القاتلة!

ياسمينة صالح- كيف يمكن التعاطي مع الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي الجديد "باراك أوباما" من القاهرة؟ هل يمكن تصديق أن السياسة الأميركية تتغير في ظرف أربعة أشهر وأن أميركا جورج دابليو بوش انتهت إلى غير رجعة؟ يمكن تصديق ذلك ـ عن حسن نية أو عن غباء ـ لو أن السياسة الأميركية عبارة عن رجل واحد، وإن ذهب جورج بوش إلى الجحيم، فهذا لا يعني مطلقا ذهاب السياسة الأميركية التي تبناها والمتمثلة ببساطة في مؤسسات قائمة بذاتها، وليست أبسط من مركز الاستعلامات الأميركية الذي يعد المحرك الرئيسي للسياسة نفسها في الخارج، ناهيك على تراكمات تلك السياسة والمتمثلة في الحروب التي تسببت فيها إدارة بوش في العالم، ليس آخرها الكارثة الرهيبة التي حدثت للعراق، زد على ذلك أن وزيرة خارجيته ليست أكثر من متصهينة ومتطرفة تبدو يهودية أكثر من اليهود أنفسهم، ولها شطحات سياسية كثيرة من الصعب محوها والتي تتخلص ببساطة في عبارة: الموت للمسلمين، وقد قالتها بأكثر من طريقة في "إسرائيل" نفسها عندما وقفت أمام الجدار المبكي لتقول لليهود: "لن نقف موقف المتفرج وسوف نساعدكم على القضاء على الإرهابيين." كان الإرهابيون في نظرها هم حركة حماس الفلسطينية وهم الفلسطينيون المطالبون بالأرض، متناسية أن حماس نفسها وصلت إلى السلطة عبر صندوق الانتخابات الديمقراطي، وأن الشعب نفسه من أوصلها إلى السلطة وليس الدبابة الأميركية كما حدث في العراق أو في أفغانستان! المشكلة تبدو اليوم متشعبة، لأنها صارت متداخلة في مصطلحاتها المستعملة ولأن أميركا تعيش أبشع مأزق في تاريخ وجودها و"باراك أوباما" يعرف أن مفتاح الحل يأتي من الشرق الأوسط، ومن دول نفطية قادرة على "مساعدة أميركا ماليا" وإنعاش اقتصادها المحتضر لتجاوز الإفلاس المستمر الذي ما فتئت الشركات الكبرى تعلنه الواحدة تلو الأخرى مخلفة آلاف العمال الذين أصبحوا فجأة عاطلين عن العمل، و"باراك" يحتاج أيضا إلى مساعدة دول الشرق الأوسط سياسيا لأجل "خنق المقاومة العراقية"، للسماح للجنود الأميركيين "بالتنفس" ومنح الحكومة العراقية فرصة العمل بإشراف مباشر من الإدارة الأميركية، دون نسيان المقاومة الفلسطينية التي "لا بد" من السيطرة عليها ومن ثم القضاء عليها لمنح "إسرائيل" أسباب الاستيطان في القدس التي تحاول أن تصنع ديمجرافية جديدة بطرد السكان العرب نحو المدن والقرى المجاورة لتكون القدس ذات الأغلبية السكانية، ولأن "أوباما " لن يكون عربيا أكثر من العرب أنفسهم، ولأنه يدافع صراحة عن المصالح الأميركية فهو مستعد أن يضع يده في يد الشيطان لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سفينة تركها بوش مثقوبة وقاب قوسين أو أدنى من الغرق! إنه يريد إنقاذ إمبراطورية يؤمن بها ولن يهم بعدئذ على حساب من أو ماذا يقوم إيمانه هذا!

أميركا في خطر!

قبل أشهر، نشرت مجلة "ليكونومي أنترناسيونال" الفرنسية ملفا عن الخسائر الأميركية بسبب الأزمة المالية الحالية، حيث ذكرت المجلة أن جورج بوش الذي تسبب في تلك الخسائر وهرب من السفينة بانتهاء عهدته الرئاسية، لم يكن في النهاية أكثر من جوكر في رقعة شطرنج أدارها الجمهوريون ذو التوجه اليهودي المتطرف معتقدين أن بإمكانهم السيطرة على الدول الثرية، منها العراق (النفط) ومنها أفغانستان (الزمرد) عبر الحرب المباشرة، والسيطرة على دول أخرى عبر التخويف، فكل حرب قام بها الأميركيون كانوا يريدون بها القضاء على نظام بعينه من جهة، وترهيب دول أخرى بنفس المصير، فالضربة القوية لها دائما صداها، وكان ذلك الصدى هو الرقعة التي ظلت تشتغل فيها الإدارة الأميركية بعسكريها وسياسييها على حد سواء، وواصلت المجلة تقول أن الأزمة المالية التي كانت ردة فعل عن رقعة الحروب التي فتحتها الإدارة الأميركية منذ 2001 في دول كثيرة من العالم كان من المنطقي أن تضخ الإدارة الأميركية المال لاستمرارها، ناهيك عن الأموال التي كانت تدفع داخل رقعة الثورات الوردية هنا وهناك والتي استنزفت الاقتصاد الأميركي كله، وصار من الصعب العودة إلى النقطة الصفر، وتوقعت المجلة أن الأزمة المالية ـ في حال عدم إيجاد حلول لها ـ سوف تستنزف الاقتصاد الأميركي إلى حد الانهيار، ناهيك على أن الظروف الاقتصادية المتراجعة داخل أمريكا قد تتسبب في ثورات داخلية أسبابها قديمة وقد تنجح الأزمة المالية في تفجيرها بشكل مدوي، مضيفة أن العدد الكبير من المؤسسات التي أعلنت إفلاسها منذ السنة الجديدة يوحي بكارثة عظمى سوف تنعكس آليا حتى على الدول التي كانت تحظى بالدعم الأميركي لها منها "إسرائيل" نفسها. فهل وصلنا إلى بداية النهاية؟ ما حدث أن أميركا ظهرت على حقيقتها منذ أحداث سبتمبر 2001، وأن سياسة " سايكس- بيكو " التي حاول قصور البيت الأبيض استنساخها في طبعة جديدة عبر جملة من التقسيمات الدولية تصب آليا لصالح الصهاينة، ولكنها فشلت في هدفها، ولحسن الحظ أنها أنتجت بالمقابل فتحات في دول كثيرة استطاعت أن تجابه الغول الأميركي، وأن تتحداه بكل جبروته، تلك هي الثورات الحقيقية التي لم تحسب لها أميركا أي حساب، ففي أفغانستان، خسر بوش الحرب مرتين، وخسر كل الرهانات التي كان يضعها المحافظون الجدد نصب أعينهم للاستيلاء على جبال الزمرد ضمن خطة CA3 التي كان يراد بها فتح قاعة عسكرية دائمة في أفغانستان "الديمقراطية" ! لكن الذي حدث أن قتلى الأميركيين هناك لم يعد محتملا، والمقاومة العراقية زادت الضربة إلى الغزاة عندما صنعت منهم أضحوكة، فأميركا هوليود البطل الأحادي الذي لا يقهر انهزمت في العراق، وعلى أيدي عراقيين يؤمنون بالأرض ويرفضون الديمقراطية الآتية على ظهر الدبابات المتصهينة.

لقد خسرت أمريكا في خمس سنوات ما لم تخسره في سبعين سنة، ولم يعد ممكنا التفكير في الحل الذي بدا صعبا في ظل تفاقم الأزمة المالية التي صادفت تراجعا كبيرا في أسعار النفط، بمعنى أن الدول النفطية التي لن تكون بمنأى عن الأزمة المالية لن تستطيع أن تساهم في إعانة أحد طالما النفط الذي يشكل عنصرها الأهم منخفض سعره، وطالما أن الفورة الشعبية وصلت اليوم إلى ذروتها والتي لم يعد يختلف فيها اثنان بأن أمريكا هي الوجه القبيح من العالم، و"إسرائيل" وجهه الأقبح الآخر!

لقد وصل المشكل إلى ذروته بإعلان أهم المؤسسات الأميركية لصناعة السيارات عن إفلاسها فاتحة المجال لعالم البطالة لأكثر من 300 ألف شخص. إنها الكارثة!

أوباما و المسلمين !

هل يمكن القول أن الرئيس باراك أوباما سيكون مختلفا عن سابقه؟ وعلى أي أساس سيكون مختلفا إن صدقنا ذلك؟ نحن نعي جيدا أن السياسة التي صنعها المجرم جورج دابليو بوش كانت مرتبة منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الدب الروسي، وتحوُّل أميركا إلى قوة عظمى، كان واضحا أن بعد القضاء على الشيوعية أن ثمة هدفا آخر سيسعى المحافظون الجدد للقضاء عليه ألا وهو الإسلام، وعندما نقول "المحافظون الجدد"، لا نعني فقط الجمهوريين، بل نعنى ثقافة جاهزة أسسها المفكر الأميركي الصهيوني"كيفن فيليبيس" الذي ظاهر كتاباته "عقلانية" وباطنها رغبة في اتساع رقعة السلام وفق الطموح "الصهيوني" الراغب في السيطرة على كل العالم، وإن بدا "كيفن فيليبيس" ضد سياسة أميركا الخارجية فلأن تلك السياسة تسببت في تزايد حدة كراهية العالم للأميركيين وتسبب في ظهور فكر ثوري جديد يقوده شباب في العديد من دول العالم بالخصوص في دول العالم الثالث، والعالم العربي والإسلامي، فأن تنشر مجلة ألمانية أن 65% من الألمان لم تعد نظرتهم إلى أميركا جميلة مثلما كانت فهذا يعني شيء جديد وهو الذي لم يكن مسموح به بالنسبة لمنظري البيت الأبيض، وكان "كيفن فيليبيس" قد نادى في أكثر من مرة إلى ضرورة التحالف "الصهيوني" الأميركي، لأجل تحقيق توازن كامل في العالم وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، فـ"إسرائيل" تستطيع مساعدة الأمريكيين عسكريا في الشرق الأوسط بشكل لا يمكن لدولة أخرى أن تفعله، وهي الرسالة نفسها التي حملها المحافظون الجدد منذ أحداث 2001 لأجل أن تكون ثمة دولة قوية في الشرق الأوسط تساعد أميركا في مشروع الهيمنة الذي تبنته بإعلان حروبنا وهناك، حيث كانت الرسالة واضحة: "إسرائيل هي الحارس الوحيد والقوي للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط، ولأجل تدعيم هذه القوة على الأمريكيين خلق أسباب جديدة لتفتيت المنطقة، وخلق مشاحنات بين الدول نفسها، وجعل السلام الوحيد الممكن ينطلق على أساس نبذ العنف.

لقد جاء أوباما وهو يمد يده إلى المسلمين دون أن يحدد المخارج التي يراها فعلية للأزمة السياسية القائمة، فهل يمكن الحد من المقاومة الفلسطينية في ظل الذل والتجويع والاعتداءات المبرمجة التي يرتكبها الصهاينة ضدهم؟ وهل يمكن الحديث عن سلام ممكن دون أن يتم تهديم المستوطنات "الصهيونية" التي أكلت في ظرف سنة ثلث المناطق الفلسطينية في شتى المناطق؟ وكيف يمكن الحديث عن دولتين في ظل تهويد القدس وسحب حق العودة؟ أم أن الخيار المتبقي هو جعل "رام الله" دولة فلسطينية برئاسة محمود عباس الذي انتهت صلاحيته الدستورية منذ أشهر؟!

تلك هي الأسئلة المصيرية التي لا نظن أن ثمة سلام ممكن في غياب الرد عليها عمليا بعيدا عن الخطابات الرنانة التي لم تعد تطعم ولا تسمن من جوع!.

*{ margin: 0; padding: 0; } ol, ul, li{ list-style: none; } body { padding: 5px; direction: rtl; text-align: justify; font: bold 96% "Times New Roman"; } img{ border: 1px ridge #0C61A0; background: none; } .source{ color: #900; } .timestamp{ float: right; font: bold 100% "times new roman"; } .printLogo{ float: left; } .printLogo img{ margin-right: 5px; padding: 0; border: 0; width: 150px; height: 68px; } .sectionsTitleList{ clear: right; margin: 1em 0; width: 250px; _width: auto; *width: auto; } .sectionsTitleList li{ list-style: inside url(/static/circle.gif); } h3{ color: #0C61A0; } h4, h4 a, h5{ clear: both; color: #903; } p{ margin: 9px 0; line-height:1.3em; } #footer{ margin: 0 24px; padding-top: 5px; border-top: 1px ridge #999; text-align: center; } #footer, #Footer a{ color: #666; } .storyMainPicture img{ padding: 5px; } .big img{ padding: 4px; } .storyMainPicture{ clear: left; float:left; width:322px; } .pictureWithComment{ float: right; margin: 5px; overflow: hidden; background: none; text-align: center; } .fulled img{ padding:5px; height:200px; width:300px; } .big img{ padding: 4px; } .pictureWithComment img{ margin: 0 5px 5px; } .big .pictureWithComment{ width: 230px; }