
المخفي في العلاقة الأميركية – الصهيونية
عاطف الغمري- الأضواء تلقى على أشياء كانت مخفية في العلاقة الأميركية “الصهيونية”، وكان هناك حرص بالغ من الأميركيين أنفسهم على عدم خروج هذه الأشياء إلى العلن، وألا تصل خاصة إلى علم الشعب الأميركي، هذه أشياء يصعب أن يمر عليها المشتغلون بالتحليل السياسي مر الكرام.
من هذه الأشياء التي تكررت على ألسنة مساعدين ومستشارين لأوباما، قولهم: إن التسوية الشاملة للنزاع العربي “الصهيوني” وحل الدولتين، هو مصلحة أمن قومي للولايات المتحدة. وآخر من نطق بهذا جورج ميتشيل مبعوث أوباما للمنطقة، عقب آخر لقاء له مع نتنياهو، هي إذاً مسألة أمن قومي للأميركيين سبق هذا في فترة الثماني سنوات من حكم بوش، عمليات دمج الأمن القومي بأمن “الكيان الصهيوني”، وحين يفعلون ذلك فالهدف رسم صورة أمام الرأي العام الأميركي، يرى من خلالها أن ما تفعله “إسرائيل” هو لمصلحتهم أيضا حتى لو كان عنفاً دموياً ضد الفلسطينيين.
وكان “الصهاينة” وحلفاؤهم من المحافظين الجدد قد قاموا عقب حرب 73 مباشرة بإنشاء المعهد اليهودي للأمن القومي في واشنطن، ومهمته الأولى الترويج للاعتقاد على كل المستويات الرسمية والشعبية، بأن أمن “الكيان” هو الوجه الآخر لأمن أمريكا. وحين وصلوا إلى الحكم مع بوش عام 2001 شهدنا تنفيذ سياسات التطابق بين أفكارهم وأفكار “الكيان الصهيوني”، هذا لم يمنع من وجود تباين بين الاثنين نتيجة سلوكيات “إسرائيل”، التي كانت تصل إلى الإضرار بأمن أميركا، لكن كانت تجري في الوقت ذاته عمليات إجهاض لأي معلومة تتسرب عن هذا التباين وحجبها عن المواطن الأميركي كسياسة متبعة في عهود جميع الرؤساء ولعبت أجهزة مسؤولة ونافذة داخل الحكومات الأميركية دوراً مهماً في طمس هذه المعلومات، وفرض حظر عليها.
من ذلك على سبيل المثال: ما حدث عقب أحداث الحادي عشر من أيلول، من قيام شبكة تلفاز “فوكس” الشهيرة بإذاعة خبر عن أن وحدة من الموساد كانت قد وصلت إلى الولايات المتحدة، تحت زعم أن أعضاءها طلبة يدرسون الفنون، والحقيقة أنها جاءت تلاحق مجموعة تنظيم القاعدة التي قامت في ما بعد بنسف البرجين، ولم يكن الموساد في البداية على علم بما تنويه خلية القاعدة، لكنهم ظلوا يتابعونهم واستأجروا مساكن قريبة من مساكنهم بولاية فلوريدا، وفي النهاية عرف الموساد بحقيقة هدفهم، ولم يبلغ به السلطات الأميركية، وهو ما علم به محققو مكتب التحقيقات الفيدرالي، فألقوا القبض على خلية الموساد، وفجأة صدرت أوامر عليا بإطلاق سراحهم وترحيلهم إلى “الكيان الصهيوني” في الحال، وفرض الكتمان على هذه الواقعة. كذلك تصريح كاسبر واينبرجر وزير الدفاع في حكومة ريجان بأن الضرر الذي ألحقه جاسوس “إسرائيلي” جوناثان بولارد وهو أميركي بالأمن القومي للولايات المتحدة نتيجة تسريبه معلومات شديدة السرية لـ“الكيان الصهيوني” لا يقل عن الضرر الذي لحق بها من جواسيس الاتحاد السوفييتي السابق، فما الذي فعلته أميركا مع “الكيان الصهيوني”؟ لا شيء سوى التعتيم والكتمان. حالات قليلة وقف فيها رؤساء أميركيون إلى جانب حماية أمن بلادهم في مواجهة “الكيان الصهيوني” منها موقف تابعته بنفسي عام 1998 أثناء فترة عملي في واشنطن، عندما كان كلينتون يشارك بنفسه مع نتنياهو وعرفات في مفاوضات تجري في واي بلانتيشن، وبعد أن توصلوا إلى اتفاق نهائي، وأوشك البيت الأبيض أن يعلنه، فوجئ كلينتون بنتنياهو يشترط أولاً، إطلاق سراح جاسوسه بولارد وأن يعود معه على نفس الطائرة باعتباره بطلاً قومياً “صهيونيا”.
يومها غضب كلينتون، ورفض الطلب المستفز للكرامة الوطنية، وامتلأت أجهزة الإعلام وبرامج الحوارات السياسية، بمناقشات تصب الغضب على تصرف نتنياهو، الذي اضطر للتراجع فوراً.
واليوم تعلو لهجة ربط الأمن القومي للأميركيين بإنهاء النزاع العربي “الصهيوني” بتسوية شاملة، وبحل الدولتين، ويبدو لنا ذلك ولو نظرياً على الأقل، أننا أمام خلاف جوهري بين أميركا و”الكيان الصهيوني”، ولو حسب تفسير السياسي المعروف لي هاملتون رئيس مركز وودرو ويلسون للدراسات السياسية الذي قال: إن الظواهر أمامنا تشير إلى أن الولايات المتحدة في طريقها إلى موقف تنجم عنه خلافات أساسية مع “الكيان الصهيوني”. قد يحدث هذا لكن الرأي العام الأميركي عندما يتعامل مع قضية تتصل بأمنه القومي، فهو لا يكتفي بالنظر إلى جانب من الصورة لكنه يتأمل الصورة بكامل تفاصيلها. وحسب منطق التفكير الأميركي في أمور القرار السياسي فلابد أن يسأل ماذا عن العرب عندما يغير رئيسهم سياسته بما يستجيب لمصالحهم؟ ما هي قضيتهم؟ هل هم جديرون بشأنها؟ وهل هم قادرون على مساندة مثل هذا القرار الأميركي؟.
القضية أولاً وأخيراً ليست في يد أوباما وحده، مهما أراد، ومهما تكن نيته، لكنها في النهاية رهن صدق وجدية ووطنية أصحاب الشأن.




















