
الدستورالعراقي .. ضمير مستتر تقديره (هو)
عدنان الصالحي - مسكين هذا الدستور الذي وضع في عهد السرعة العجيبة وصوت عليه في زمن الطائفية المقيتة وركن بعد ذلك على الرف تيمنا وتبركا باسمه ليعمل الساسة ما يشتهون وفق نظرية التوافق في مرحلة الانتقال.
ما ترك لنا هذا المبدا البغيض (التوافق) من واد الا وسلكه لتصبح الخروقات للدستور اشبه بالمخالفات المرورية اليومية، فمن تاسيس (مجلس الامن الوطني) الى (وثيقة الاصلاح التي تسلب الحكومة نصف صلاحياتها الدستورية) الى غير ذلك من تجاوزات على القوانين وحرمتها حتى وصلت الى حد ايقاف القضاء وتطبيقه بحيث يبقى المجرم المحكوم بالاعدام في مأمن عن التنفيذ بسبب التوافقات حتى بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية و(ابو القطعية)، وهيئة الرئاسة لا توقع التنفيذ خوفا اوخجلا وهذا ما نشهده بحق ازلام النظام السابق الذين اتفق المخالف والمؤالف على شدة اجرامهم وظلمهم لابناء بلدنا.
لست هنا في موضع التهجم او الاتهام بقدر الحديث عن موضوع آلم العراقيين وارقهم كثيرا، فسبب المحن جميعها على مر العصور والتي عاشها الشعب العراقي هو عدم وجود دستور دائم يحكم البلاد منذ العهد الملكي ولحين سقوط طاغية العصر، وترك الباب لكل من امتلك القوة ليحكم البلاد بالنار والحديد، حتى جاء وقت التغيير الذي منح الفرد العراقي فرصة تاريخية للتصويت على دستور يوفي ابسط متطلباته وهو اختيار نوع وشخص الحاكم الذي يقود البلاد.
فتفاني العراقيين في انجاح التجربة السياسية الجديدة في العراق ليس الا تاكيدهم على نهجهم في الحصول على حياة يحكمها القانون والدستور والحرية بعدما حرموا منها لقرون، وهي صفة تبين بان الشعوب هي التي تصنع الحياة وتديمها لا السياسية والحكام.
وفي وقت تتلاطم فيه امواج العنف الدموي في البلاد خرج ابناؤه للتشبث بشمس الحرية الجديدة والمساهمة في تاسيس دولة القانون والتعددية ورسم خارطة الحكم الجديد بعيدا عن التهميش والاقصاء وصناعة مستقبل افضل لابنائهم، فصوتوا للدستور رغم بعض الملاحظات التي وضعت عليه الا انه بمجمله يشكل نقطة تحول نحو التعددية والحرية، ولكن ماهي النتيجة؟.
بعد كل ما قدم هذا الشعب يفاجئ بان الدستور الذي طالما كثر كلام اخواننا الساسة عن اهميته يلقى وراء الظهور ويكون كل شيء في العراق توافقيا حتى تعيين الموظف البسيط ومحاسبة الوزير المقصر، وتحديد القضاء برؤى السياسة.
لماذا اذا نحاسب المخالفين للقانون ولانحاسب المخالفين للدستور بعلويته وحساسيته؟.
هل عرف الساسة في العراق بان من يخرق الدستور ويتجاوز على ثوابته وقوانينه فانه يؤسس لدكتاتورية جديدة من حيث يعلم او لايعلم؟.
اننا نقول بكلام واضح لا لبس فيه: لا يوجد اي مبرر لعدم تفعيل الدستور، بل ان اساس الحل يكون بتفعيل المواد الدستورية من محاسبة الجميع بمساواة ومعاقبة المقصر ومكافاة المحسن وعدم السماح لاي مسميات اخرى بالدخول والالتفاف على الثوابت الوطنية والقانونية بحجة التوافق والمصلحة العامة، والا فما معنى دستور يصوت عليه اغلبية الشعب ان لم يكن يوفي بمطالبهم، ثم يركن جانبا ويصبح ضمير مستتر تقديره (هو).
ان اساس ما يجري من مشاكل وتلاطم في الوضع العراقي ناتج من خطا ارتكبته الكتل السياسية بتجاوزهم ما اتفقوا عليه من بنود الدستور العراقي وتعهدوا به للشعب العراقي من كونه (الدستور) المرجعية العليا التي يحتكمون اليها في خلافاتهم، فسمحوا بذلك للمخطئ بالتطاول وللمجرم بالتفاوض وللقاصر بالتصدي للمنصب وللتوافقات لتوئد حريتنا الجديدة. الساحة السياسية تشهد حساسية بالغة قد لايدركها الجميع وبقاء الوضع على ما هو عليه بدون تحريك ساكن سيخلق لنا دولة شكلها الخارجي ديمقراطي وباطنها دكتاتوري.
ومن يدري لعل التوافقات القادمة ستجد وسيلة لاظهارحزب البعث على انه احد ضحايا النظام السابق فتطالب باعادته للحياة السياسية، ليصبح جزء من عملية سياسية عرجاء وعندها سيكون الدستور الذي حضر حزب البعث، كتابا للتبرك في رف البرلمان الذي سيصل يوم ما الى صفة المجلس الوطني السابق الذي (لا يهش ولا ينش) وعلينا وقتها حفظ انشودة.
الله يخلي الريس...
الله يطول عمره...




















