
مأزق أميركا في العراق يتسع!
طلعت رميح-
المشهد العراقي، يتشابه هذه الأيام مع تلك المرحلة التي بدأت فيها الولايات المتحدة تطبيق توصيات لجنة بيكر- هاملتون، المشكلة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لمواجهة المأزق الذي كانت تعانيه الخطة الأميركية في احتلال العراق.
الآن يلحظ المتابع أن أعمال القتل العشوائي للمواطنين العراقيين التي كانت نقطة الانطلاق في بدء تطبيق خطط هذا التقرير قد عادت من جديد، وأن تلك العودة للقتل العشوائي الإجرامي، جاءت مترافقة أيضا، مع تصاعد ميل جيش الاحتلال الأميركي للإعلان بشكل متزايد عن قتلاه، حتى وصل الأمر إلى صدور تصريحات رسمية من الجيش الأميركي، بأن تلك القوات باتت تتعرض إلى نحو 3 آلاف عملية فى الشهر "700 عملية في الأسبوع". واللافت أيضا، أن المشهد الآن في العراق يكاد يكون متطابقا حتى على صعيد أوضاع السلطة التي شكلها الاحتلال - بديلا لسلطة الاحتلال المباشرة كما كان حال سلطة بريمر- إذ جاءت التفجيرات التي تستهدف الأبرياء، وتصاعد الاعمال المسلحة من الجانب الآخر، في مرحلة تتصارع فيها أطراف السلطة التي شكلها الاحتلال، ويضطرب ويرتبك فيها نسيج العلاقات التي شكلها الاحتلال بين طرفيه الخارجيين "أميركا عسكريا وإيران وبالنفوذ والدعم الداخلي" وبين أطراف اللعبة أو العملية السياسية داخليا بالارتباط مع علاقاتها المختلفة باختلاف طرفي الاحتلال.
هنا يبدو أن المشهد، صار أقرب إلى التطابق مع المرحلة التي بدأت فيها الولايات المتحدة تطبيق توصيات تقرير- بيكر هاملتون، وما ارتبط به من محاولة إيجاد وصناعة تحديات داخلية في مواجهة المقاومة العراقية المتصاعدة. لكن العودة إلى ذات الظروف المضطربة قبل بدء تطبيق تقرير بيكر- هاملتون، لا تعني إمكانية تحقيق ذات النتائج التي حققها الاحتلال وسلطته في العراق من قبل، إذ نحن أمام ظروف جديدة على صعيد عوامل قوة الأطراف الداخلة في الصراع تشير إلى نتائج مختلفة عما جرى خلال المرحلة السابقة. توازنات القوى تغيرت على نحو كبير، كما أن علاقات الأطراف الداخلية في الصراع قد تغيرت أيضا، بما يمكن القول معه إننا بالفعل قد دخلنا المرحلة الختامية لوجود الاحتلال أو المرحلة الثالثة والختامية من مراحل الصراع بين الاحتلال والشعب العراقي، وأن آفاق الصراع ومحتواه ستشهد تغييرات درامية خلال المرحلة القادمة. ما نشهده الآن في عناوين الوقائع، هو أن قوات الاحتلال الأميركية قد دخلت مرحلة الانسحاب إلى قواعد ثابتة في العراق، تمهيدا لتقليل عدد هذه القوات حتى يحين موعد انسحاب القسم الأكبر للقوة القتالية في نهاية عام 2011، والذي هو واقع لا يسهل تغييره لظروف تصاعد الصراع في باكستان وأفغانستان ولأولويته بالنسبة لإدارة باراك أوباما.
وسواء انسحبت تلك القوات من كل المدن أو تأخر انسحابها من بعضها "كما هو الحال بالنسبة للموصل"، فإن المعنى هو أن قوات الاحتلال، لم تعد خطتها وإعدادها وتسليحها، لن تكون هي ذاتها التي كانت خلال بداية احتلال العراق أو عند بدء تطبيق توصيات خطة بيكر- هاملتون، التي جعلت الرئيس الأميركي جورج بوش يزيد عدد القوات الموجودة في العراق. نحن دخلنا مرحلة لا يمكن فيها لقوات الاحتلال الأميركية أن تواصل القتال في العراق بنفس القوة والقدرة، وهو أمر يتعزز الإيمان به بالنظر إلى أننا لا نتعامل مع الولايات المتحدة القديمة، بل مع ولايات متحدة أخرى، ليس على صعيد التغيير الحاصل في البيت الأبيض "فالإستراتيجيات العامة للولايات المتحدة لا تتغير بتغير الرؤساء" ولكن على صعيد معالم قوة الولايات المتحدة، إذ هذا البلد صار "بلدا آخر" الآن، جراء الأزمة الاقتصادية التي لا تزال "تتطور معالم خطورتها" على نحو حاد، يضعف قدرة الاقتصاد الأميركي على الاستمرار في تحمل النتائج المالية لخوض حربين "العراق وأفغانستان"، خاصة مع تدهور الأوضاع في باكستان على نحو حاد أيضا، بما يضطر الولايات المتحدة إلى التركيز عليها أيضا. والمعنى السياسي العام هنا أو الإستراتيجي، هو أن الصراع على الأرض العراقية الآن، سيجري بينما أبرز أطرافه قد ضعف. والعنوان الثاني للوقائع الجديدة التي نراها الآن، هو أن الاحتلالين الأميركي والإيراني "العسكري وباستخدام شبكات النفوذ"، لم يعودا على نفس نمط صراعهما "السابق" إذ دخلت العلاقات نمطا آخر من الصراع على العراق.
وفي العنوان الثالث للوقائع التي نتابعها الآن في مشاهد عديدة، فإن "الانفراط" الذي تعيشه أجهزة الدولة "الجديدة" في العراق صار أمرا مزمنا وبات يتحرك نحو الأسوأ، إذ تظهر الأحداث أن شيئا لم يتحقق على صعيد تشكيلة مؤسسات تلك "الدولة" أو قدرتها على أداء مهامها، كحامية لوجود الاحتلال "مستقرا" في داخل العراق، أيا كان اسمه أو طريقته. مجلس النواب، ظل لشهور غير قادر على اختيار رئيس له، والنواب صار وصفهم مأساويا بين الطائفي والمطارد بسبب مواقفه السياسية إلى درجة الاختفاء وبين من هو مرتبط بالولايات المتحدة ، في وقت لا يزال الكل فيه خاضعا لما وصفه رئيس مجلس النواب السابق ﺒ"شمشمة الكلب الأميركي".
والصراع على آبار النفط وعائدتها بين حكومة المالكي وحكومة البارزاني في المنطقة الكردية لا يزال على حاله وإن كان هناك جديد، فهو السير نحو الأسوأ، على الأقل بسبب نقص عائدات البترول بما يعقد من الصراع بفعل ضعف أو قلة الموارد. وأعمال تهريب النفط في الجنوب لا يزال مسكوتا عليها وهو ما يعني أن المسلحين لا يزالون يجدون مصادر لتمويل نشاطاتهم الإجرامية. وفي كركوك تتطور الأوضاع إلى درجة الحدة، حتى وجد المالكي نفسه مضطرا للتحذير علنا من حرب عنصرية. والخلاصة أننا أمام وضع لم يتحرك للأمام، لا نحو استقرار الحكم الذي شكله الاحتلال، ولا على صعيد نسيج العلاقات بين القوى المتعاونة مع الاحتلال، والأهم أن كل ذلك يجرى بينما قوات الاحتلال لم تتمكن من القضاء على المسلحين.. التي على العكس باتت في تصاعد. في الدلالات لذلك كله، يمكن القول: إن الجهة الوحيدة التي تقوى على أرض العراق وفي الصراع على نحو مباشر أو على المستوى البعيد هي قوة المقاومة العراقية. في الخلاصة الكلية لكل التطورات التي جرت منذ بداية الاحتلال وحتى الآن فإن أطراف الاحتلال كلها في وضع الارتباك والتراجع بل والصراع مع بعضها البعض، بينما المقاومة العراقية هي من نجح في مواجهة أعقد التحديات التي فرضتها قوات الاحتلال والمتعاونون معها، وبات يطور أوضاعه بالاستناد إلى خبرة السنوات الماضية، وبالاستفادة من إخفاقات الطرف الآخر "بتنوعاته" في الصراع.
لقد بدأت المرحلة الأولى من الصراع بين قوات الاحتلال ومن معها من جهة والشعب العراقي من جهة أخرى عقب انهيار النظام ، التي جرت في بدايتها دون تنظيم وإستراتيجية واضحة، ودون بناء مؤسسات سياسية وإعلامية وعسكرية قادرة على إدارة صراع طويل الأجل.
لقد أحدث هذا النشاط البركاني المندفع بالمقاومة إرباكا لقوات الاحتلال ومن معها، فكانت الخسائر الأميركية المتواترة وكان الاهتزاز وشدة الارتباك داخل جهاز السلطة التي شكلها الاحتلال فور دخوله محتلا. وفى المرحلة الثانية من الصراع، تمكنت قوات الاحتلال "بعد العمل وفق توصيات بيكر- هاملتون" من إدخال المقاومة والشعب العراقي في حالة جديدة من الصراع، من خلال فرض تحديات عراقية - عراقية، عن طريق الصحوات وهو ما جرى في ظله تكثيف هجمات قوات الاحتلال، التي تمكنت بعد وصول قوات جديدة من تحقيق قدر من "التأمين" النسبي لأوضاعها.
دخل الصراع حالة جديدة، إذ كان القصف الأميركي للمدن والقطاعات السكانية، مرتبطا ومتزامنا مع حملة تدفع الحركات والمجموعات لمعاداة وقتال بعضها البعض، كما تمكنت قوات الاحتلال والميليشيات من تهجير أعداد كبيرة من العراقيين "داخل الوطن وخارجه" الذين شكلوا الحاضن الاجتماعي للمقاومة. هنا كان المعنى العام، أن قوات الاحتلال ومن معها قد عملوا وفق خطة جديدة، لحرف جهد الشعب من الصراع مع الاحتلال إلى صراع بينهم وبعضهم البعض.
لكن المقاومة العراقية صمدت وثبتت، كما هي لم تنجر في الصراعات الداخلية العمياء التي دفعت لها دفعا، إذ هي تمسكت بالموقف والرؤية الوطنية مشددة على أن صراعها هو مع الاحتلال وحول الاحتلال فقط. وإن كان ذلك لا يعني أنها لم تتأثر بفعل تلك التغييرات في بيئتها الحاضنة وفي وتائر نشاطها، فالأهم أنها أعادت ترتيب صفوفها على المستويات السياسية والإعلامية والعسكرية، بما مكنها مع مرور الوقت من الاستفادة من الخلخلة الحادثة في أوضاع جبهة الصراع المقابلة النموذج لذلك، هو ما جرى في قضية الصحوات وفي أوضاع تنظيم القاعدة، اللذين مثلا أخطر التحديات في المناطق التي شهدت نشاطا كثيفا للمقاومة ذات الطابع العسكري خاصة. ففي الوقت الذي تمكنت فيه المقاومة بصفة عامة من تفادي الدخول في نزاع شامل مع تنظيم القاعدة أو مع الصحوات، فالاحتلال والسلطة الطائفية التي شكلها، هي من وصل إلى المأزق في تلك المواجهة خاصة مع الصحوات.




















