هل جاءت قوات الاحتلال البريطانية والأميركية لتحرير العراق حقّاً؟

محمد الساعدي- في الثلاثين من نيسان الماضي انسحبت القوات البريطانية من البصرة، وسلمت القيادة لقائد عسكري أميركي، وبهذه المناسبة أجرت محطة (BBC) الدولية باللغة الإنجليزية عدداً من المقابلات، أبرزها مقابلة مع الرئيس العراقي جلال طالباني، ومع الرئيس السابق لأركان القوات البريطانية، أجمع الرجلان على أن ضحايا العمليات من القوات البريطانية هم شهداء حرية العراق، وأنها مهمة مقدسة يجب أن تفخر بها بريطانيا. وقد رفض الجنرال البريطاني الانتقادات الموجَّهة لهذه المهمة، كما أذاعت المحطة الثناء على هذه المهمة من جانب كلٍّ من رئيس الوزراء البريطاني ورئيس وزراء العراق، ووصف رئيس وزراء بريطانيا هذه المهمة بأنها نموذج للنجاح، وأنها حققت حرية العراق بأقل عدد من الضحايا.

اللافت في تعليق الرئيس جلال طالبانى أنه راح يعدّد النتائج الإيجابية لمهمة القوات البريطانية ضمن القوات الدولية في العراق، وأهم هذه النتائج في نظر الطالباني إزالة صدام حسين ونظامه الديكتاتوري، وتمتع العراقيين بالحرية وحقوق الإنسان، وتأهيل القوات العراقية لتحمُّل المسؤولية بعد رحيل هذه القوات، ومن النتائج أيضاً أنه شخصيّاً صار رئيس العراق. ولأول مرة في تاريخ الاحتلال الطويل يُجمع الإقليم المحتل والدولة المحتلة على نتيجة إيجابية واحدة، وأنهما قاتلا عدوّاً واحداً هو صدام حسين، بل إن رئيس العراق الجديد أضاف نقطةً خطيرةً، قائلاً: إن قرارات مجلس الأمن هي التي كلَّفت هذه القوات «بتحرير العراق»، فماذا يجب على القارئ العربي أن يعرف من هذا الخلط بين تصريحات المسؤولين العراقيين في العراق الجديد وتصريحات المسؤولين البريطانيين؟ وكلها تجمع على الفخر والاعتزاز بالاحتلال البريطاني، لدرجة أن السيد طالباني قال إنه عام 1920م كان العراق كله يطالب برحيل الإنجليز، أما الآن فإننا رجونا توني بلير ألا يرحل عن العراق، كما طلبنا ذلك من الأميركيين. والحق أن احتلال العراق عدوان غير مشروع، وأن المحتل مرذول، لولا أن الطبقة الجديدة في العراق التي تسعى إلى تقسيمه وإضعافه تحالفت مع المحتل لإنشاء هذا الوضع الجديد.

أما مغالطة رئيس العراق بأن مجلس الأمن تحدَّث عن الاحتلال لتحرير العراق فهذا غير صحيح، ويستطيع القارئ أن يطَّلع على كل قرارات مجلس الأمن التي أصدرها بعد الاحتلال، بدءً بالقرار 1483 في أيلول 2003 الذي نظَّم سلطات الاحتلال الأميركية والبريطانية وأَولاها عدداً من الصلاحيات المالية وغيرها دون أن يُدين الاحتلال، الأمر الذي دفع كوفي عنان بعدها بسنوات إلى إدانة الاحتلال, باعتباره عدواناً صريحاً على العراق.

والطريف أن الحكومتين البريطانية والأميركية وبعض القوى المرتبطة بهما روَّج لنظرية غريبة, مؤداها أن مجلس الأمن أضفى شرعيةً على الاحتلال واعترف به، وهم جميعاً يدركون أن الاحتلال بذاته جريمة لا يمكن إسباغ الشرعية عليها لأي سبب، بل وقع الكثير من الكتاب العرب في خطأ فادح عندما ينتقدون الاحتلال بالقول إنه لم يحصل على تفويض من مجلس الأمن، والمعلوم أن مجلس الأمن ليس من سلطته منح رخصة للاحتلال، ولا يمكن أن تقاس سلطة تفويض الدول بالتصدي للعدوان كما حدث في القرار 678 بشأن احتلال العراق للكويت، وبين الاحتلال الأميركي للعراق الذي كان يتعيَّن على المجلس إدانته والترخيص للدول بالتصدى له. أما الفارق بين وضع جلال طالبانى كرئيس للعراق الجديد ووضعه السابق كمتمرّد في الجبال، فهو يوحي بأنه كان متمرداً على الديكتاتورية، وأنه بعد سقوطها أصبح هو الرئيس مكافأةً له.. كنت أتمنى أن يصبح جلال طالباني أن يكون رئيس العراق في ظروف مختلفة حتى نعتزَّ بكل أبناء الشعب العراقي دون تمييز، ولكن «العم جلال» يعمل كل ما من شأنه تكريس انفصال الأكراد، بل إنه كرئيس للعراق لم يجد حرجاً في أن يُلقي كلمة العراق العربي في الجمعية العامة للأمم المتحدة باللغة الكردية، وظهرت ترجمة لها باللغة العربية، وذلك تطبيقاً للدستور الأميركي الدائم للعراق.أما بريطانيا التي تفخر باحتلالها للعراق، فإنها لا تزال تشعر بأنها بريطانيا العظمى التي بنت عظمتها على استعمار الشعوب ونهبها، ولعل المبالغة في وصف مهمة القوة البريطانية بأنها مهمة نبيلة للتحرير أنها المرة الأخيرة التي تحتل فيها بريطانيا أحداً، كما أنني أثِق بأن الشعب البريطاني يدرك أن مشاركة بريطانيا في احتلال العراق كان نكسةً إلى العصر الاستعماري الذي خلفه العالم منذ عقود. إن أجيالنا يجب أن تقرأ تاريخ العراق قراءةً صحيحةً, بعد أن تعدَّدت القراءات الهادفة إلى فرض واقع جديد، ولكنَّ الشعبَ العراقيَّ الموحَّد سوف ينتصر لوحدة العراق.

*{ margin: 0; padding: 0; } ol, ul, li{ list-style: none; } body { padding: 5px; direction: rtl; text-align: justify; font: bold 96% "Times New Roman"; } img{ border: 1px ridge #0C61A0; background: none; } .source{ color: #900; } .timestamp{ float: right; font: bold 100% "times new roman"; } .printLogo{ float: left; } .printLogo img{ margin-right: 5px; padding: 0; border: 0; width: 150px; height: 68px; } .sectionsTitleList{ clear: right; margin: 1em 0; width: 250px; _width: auto; *width: auto; } .sectionsTitleList li{ list-style: inside url(/static/circle.gif); } h3{ color: #0C61A0; } h4, h4 a, h5{ clear: both; color: #903; } p{ margin: 9px 0; line-height:1.3em; } #footer{ margin: 0 24px; padding-top: 5px; border-top: 1px ridge #999; text-align: center; } #footer, #Footer a{ color: #666; } .storyMainPicture img{ padding: 5px; } .big img{ padding: 4px; } .storyMainPicture{ clear: left; float:left; width:322px; } .pictureWithComment{ float: right; margin: 5px; overflow: hidden; background: none; text-align: center; } .fulled img{ padding:5px; height:200px; width:300px; } .big img{ padding: 4px; } .pictureWithComment img{ margin: 0 5px 5px; } .big .pictureWithComment{ width: 230px; }